أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

276

شرح مقامات الحريري

وبينما أنا أقلّب العزم ، وأمتخض الحزم ، تراءى لي شبح جمل ، مستذر بجبل ، فترجّيته قعدة مريح ، وقصدته قصد مشيح ؛ فإذا الظّنّ كهانة ، والقعدة عيرانة ، والمريح قد ازدمل ببجاده ، واكتحل برقاده ، فجلست عند رأسه ؛ حتّى هبّ من نعاسه ؛ فلمّا ازدهر سراجاه ، وأحسّ بمن فاجاه ، نفر كما ينفر المريب . وقال : أخوك أم الذّئب ! فقلت : بل خابط ليل ضلّ المسلك ، فأضئ لي أقدح لك فقال : ليسر عنك همّك ، فربّ أخ لك لم تلده أمّك . فانسرى عند ذلك إشفاقي ، وسرى الوسن إلى آماقي ، فقال : عند الصّباح يحمد القوم السّرى ، فهل ترى كما أرى ! * * * العزم والحزم : اجتماع رأي الرجل على ما يريد أن يفعله فلا يتردّد فيه . أمتخض : أحرّك وأحلب ، وأراد أنه أخذ يحدّث نفسه ويدبّر رأيه : هل يسري أو يقعد . تراءى ، أي ظهر . مستذر : مستعل ، والذروة أعلى الشيء ، أراد أنه ظهر له شبح جمل ، أي شخصه في أعلى جبل . قعدة : بعير يقعد عليه عند الركوب . مريح : مستريح ، قد نزل يريح نفسه وبعيره . مشيح : مجدّ . والقعدة : المركوب . والعيرانة : الناقة الصلبة تشبّه بالعير ، وهو حمار الوحش . وازدمل : التفّ . ببجاده : بكسائه . هبّ : انتبه . ازدهر : انفتح وأضاء سراجاه : عيناه . فأجاه : أتاه على غفلة . المريب : الذي أتى ريبة . أخوك أم الذيب ، مثل ، كأنه خاطب نفسه ، فقال : أأخوك هو الذي رأيت أتى لمؤانستك أم ذئب لإذايتك ، وتضمّن الكلام أن الاستفهام وقع بالذي رآه ، فكأنه قال له : يا هذا ، أأخ أنت أم صاحب فأركن إليك أم عدوّ فأحذرك ؟ فأجابه بأن قال له : بل خابط ليل ، أي ماش فيه على جهالة . ضلّ المسلك : أخطأ الطريق . أضيء لي : اكشف لي عن حالك . أقدح لك : أكشف لك عن حالي ، وهذا أيضا مثل ، وفي هذا التباس ؛ لأنه إذا أضاء له ، أي أعطاه ضوأه أو أظهره له ، فأيّ حاجة له في القدح ، وهو الضرب بالزّند ليخرج ناره ، وإنما معناه أن رجلا كان طلب لآخر ضوءا مثل فتيل يوقده ، فتخيّل من صاحبه أنه لا يعطيه ، فقال له : أضيء لي ، أي أعطني ضوءا فليس عليك فيه تكلّف فإنك إن أتيتني في مثلها فلم تجد لي ضوءا قدحت لك زندي ، وتكلفت لك ذلك ، ثم استعمل فيمن يطلعك على أمره فتطلعه من أمرك على ما هو أفيد ممّا أطلعك عليه ، فمعناه أطلعني على ظاهر أمرك أطلعك على باطن أمري ويروى : « أكدح لك » قال أبو زيد : إذا طلب الرّجل إلى الرجل حاجة فلم يعرف وجهها ، قال : أضيء لي أكدح لك ، أي بيّن لي فأكدح لك ، أي أسعى لك ، وكدح لمعيشته : سعى واكتسب ، وأضيء : أسرج . الفنجديهيّ : أضيء لي أكدح لك ، مثل يضرب في المساواة بالأفعال ، والمعنى :